فصل: تفسير الآية رقم (168):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المشهور بـ «تفسير الألوسي»



.تفسير الآية رقم (166):

{إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166)}
{إِذْ تَبَرَّأَ الذين اتبعوا} بدل من {إِذْ يَرَوْنَ} [البقرة: 165] مطلقًا وجاز الفصل بين البدل والمبدل منه بالجواب ومتعلقه لطول البدل، وجوّز أن يكون ظرفًا لـ {شَدِيدُ العذاب} [البقرة: 165] أو مفعولًا لاذكروا وزعم بعضهم أنه بدل من مفعول {ترى} على قراءة الخطاب، كما أن {إِذْ يَرَوْنَ} بدل منه أيضًا {وَأَنْ القوة} في موضع بدل الاشتمال من {العذاب} ولا يخفى أن هذا يقتضي جواز تعدد البدل ولم يعثر عليه في شيء من كتب النحو، وأيضًا يرد عليه أن المبدل منه في بدل الاشتمال يجب أن يكون متقاضيًا للبدل دالًا عليه إجمالًا، وأن يكون البدل مشتملًا على ضمير المبدل منه وكلاهما مفقودان والمعنى: إذ تبرأ الرؤساء المتبعون مَن الذين اتبعوا أي المرءوسين بقولهم: {تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُواْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ} [القصص: 63] وقرأ مجاهد الأول: على البناء للفاعل والثاني: على البناء للمفعول، أي تبرأ الأتباع وانفصلوا عن متبوعيهم، وندموا على عبادتهم.
{وَرَأَوُاْ العذاب} حال من الأتباع والمتبوعين كما في لقيته راكبين أي رائين له فالواو للحال، وقد مضمرة، وقيل: عطف على {تَبَرَّأَ} وفيه أنه يؤدي إلى إبدال {إذ رأوا العذاب} من {إِذْ يَرَوْنَ العذاب} [البقرة: 165] وليس فيه كثير فائدة لأن فاعل الفعلين وإن كانا متغايرين إلا أن تهويل الوقت باعتبار ما وقع فيه وهو رؤية العذاب ولأن الحقيق بالاستفظاع هو تبرؤهم حال رؤية العذاب لا هو نفسه، وأجيب أن البدل الوقت المضاف إلى الأمرين، والمبدل منه الوقت المضاف إلى واحد وهو الرؤية فقط وفيه أن هذا أيضًا لا يخرج ذلك عن الركاكة إذ بعد تهويل الوقت بإضافته إلى رؤية العذاب لا حاجة إلى جمعها مع التبري بخلاف ما إذا جعل حالًا، فإن البدل هو التبرؤ الواقع في حال رؤية العذاب.
{وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الاسباب} إما عطف على {تَبَرَّأَ} أو {رَأَوْاْ} أو حال، ورجح الأول لأن الأصل في الواو العطف، وفي الجملة الاستقلال ولإفادته تكثير أسباب التهويل والاستفظاع مع عدم الاحتياج إلى تقدير قد والباء من {بِهِمُ} للسببية، أي تقطعت بسبب كفرهم الأسباب التي كانوا يرجون منها النجاة، وقيل: للملابسة أي تقطعت الأسباب موصولة بهم كقولك: خرج زيد بثيابه، وقيل: عنى عن، وقيل: للتعدية، أي قطعتهم الأسباب كما تقول: تفرقت بهم الطريق، ومنه قوله تعالى: {فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] وأصل السبب الحبل مطلقًا، أو الحبل الذي يتوصل به إلى الماء، أو الحبل الذي أحد طرفيه متعلق بالسقف، أو الحبل الذي يرتقي به النخل. والمراد بالأسباب هنا الوصل التي كانت بين الأتباع والمتبوعين في الدنيا من الأنساب والمحاب، والاتفاق على الدين، والاتباع والاستتباع، وقرئ {تقطعت} بالبناء للمفعول وتقطع جاء لازمًا ومتعديًا.

.تفسير الآية رقم (167):

{وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167)}
{الاسباب وَقَالَ الذين اتبعوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً} أي لو ثبت لنا عودة ورجوع إلى الدنيا. {فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ} أي من المتبوعين {كَمَا تَبَرَّءواْ مِنَّا} تمنوا الرجوع إلى الدنيا حتى يطيعوا الله تعالى فيتبرءوا من متبوعيهم في الآخرة إذا حشروا جميعًا مثل تبرؤ المتبوعين منهم مجازاة لهم ثل صنيعهم، أي كما جعلوا بالتبري غائظين متحيرين على متابعتهم نجعلهم أيضًا بالتبري غائظين متحيرين على ما حصل لنا بترك متابعتهم، ولذا لم يتبرءوا منهم قبل تمني الرجوع لأنه لا يغيظ المتبوعين حيث تبرءوا من الأتباع أو لا، ومن هنا يظهر وجه القراءة على البناء للفاعل لأن تبرؤ الأتباع من المتبوعين بالآخرة بالانفصال عنهم بعد ما تبين لهم عدم نفعهم، وذلك لا يغيظ المتبوعين لاشتغال كل منهم بما يقاسيه، فلذا تمنوا الرجوع إلى الدنيا ليتبرءوا منهم تبرؤًا يغيظهم. وأما قوله سبحانه: {كَمَا تَبَرَّءواْ} فلا يقتضي إلا وقوع التبرؤ من المتبوعين وهو منصوص في آية أخرى ولا يقتضي أن يكون مذكورًا فيما سبق، وقيل: إن الأتباع بعد أن تبرءوا من المتبوعين يوم القيامة تمنوا الكرة إلى الدنيا مع متبوعيهم ليتبرءوا منهم فيها ويخذلوهم فيجتمع لهم ذل الدنيا والآخرة ويحتاج هذا التوجيه إلى اعتبار التغليب في {لَنَا} أي لنا ولهم، إذ التبرؤ في الدنيا إنما يتصور إذا رجع كلتا الطائفتين.
{كذلك} في موضع المفعول المطلق لما بعده، والمشار إليه الإراء المفهوم من {إِذْ يَرَوْنَ} [البقرة: 165] أي كإراء العذاب المتلبس بظهور أن القوة لله والتبري، وتقطع الأسباب وتمني الرجعة.
{يُرِيهِمُ الله أعمالهم حسرات عَلَيْهِمْ} وجوّز أن يكون المشار إليه المصدر المفهوم مما بعد والكاف مقحمة لتأكيد ما أفاده اسم الإشارة من الفخامة ومحله النصب على المصدرية أيضًا، أي ذلك الإراء الفظيع يريهم على حد ما قيل في قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] والجملة تذييل لتأكيد الوعيد، وبيان حال المشركين في الآخرة وخلود عذابهم، ويجوز أن تكون استئنافًا كأنه لما بولغ في وعيدهم وتفظيع عذابهم كان محل أن يتردد السامع ويسأل هل لهم سوى ذلك من العذاب أم تم؟ فأجيب بما ترى، و{حسرات} أي ندمات وهو مفعول ثالث ليرى إن كانت الرؤية قلبية، وحال من {أعمالهم} إن كانت بصرية، ومعنى رؤية هؤلاء المشركين أعمالهم السيئة يوم القيامة حسرات رؤيتها مسطورة في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وتيقن الجزاء عليها، فعند ذلك يندمون على ما فرطوا في جنب الله تعالى، و{عليهم} صفة {حسرات} وجوّز تعلقه بها على حذف المضاف أي تفريطهم، لأن حسر يتعدى بعلى واستدل بالآية من ذهب إلى أن الكفار مخاطبون بالفروع.
{وَمَا هُم بخارجين مِنَ النار} المتبادر في أمثاله حصر النفي في المسند إليه نحو {وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ الذين ءامَنُواْ} [هود: 29] {وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} [هود: 91] ففيه إشارة إلى عدم خلود عصاة المؤمنين الداخلين في قوله تعالى: {والذين ءامَنُواْ أَشَدُّ حُبّا لِلَّهِ} [البقرة: 165] في النار، وإذا أريد من {الذين ظَلَمُواْ} [البقرة: 165] الكفار مطلقًا دون المشركين فقط كان الحصر حقيقيًا، ويكون المقصود منه المبالغة في الوعيد بأنه لا يشاركهم في الخلود غيرهم، فإن الشركة تهوّن العقوبات، وقيل: إن المقصود نفي أصل الفعل لأنه اللائق قام الوعيد لا حصر النفي إذ ليس المقام مقام تردد ونزاع في أن الخارج هم أو غيرهم على الشركة أو الانفراد وإن كان صحيحًا بالنظر إلى العصاة إلا أنه غير إلى ما ترى إفادة للمبالغة في الخلود، والإقناط عن الخلاص، والرجوع إلى الدنيا، وزيادة الباء وإخراج ذواتهم من عداد الخارجين لتأكيد النفي، وأنت تعلم أنه إذا لم يعتبر في الحصر حال المخاطب لم يبق فيه ما يقال سوى أن ظواهر بعض الآيات تقتضي عدم إرادة الحصر، ومن ذلك قوله تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النار وَمَا هُم بخارجين مِنْهَا} [المائدة: 37] فليس القول بعدم الحصر نصًا في الاعتزال كما وهم.
ومن باب الإشارة في الآيات: {إِنَّ الصفا} أي الروح الصافية عن درن المخالفات {والمروة} [البقرة: 158] أي النفس القائمة بخدمة مولاها من إعلام دين الله ومناسكه القلبية والقالبية، فمن بلغ مقام الوحدة الذاتية، ودخل بيت الحضرة الإلهية بالفناء عن السوي أو زار الحضرة بتوحيد الصفات واتزر بأنوار الجلال والجمال فلا حرج عليه حينئذٍ أن يطوف بهما ويرجع إلى مقامهما بالوجود الموهوب بعد التمكين المطلوب ومن تبرع خيرًا بالتعليم والنصيحة وإرشاد المسرشدين فإن الله يشكر عمله ويعلم جزاءه {إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ} ما أفضنا عليهم من أنوار المعارف وهدى الأحوال {مِن بَعْدِ مَا بيناه لِلنَّاسِ فِي} كتاب عقولهم المنورة بنور المتابعة {أولئك} يبعدهم الله تعالى ويحجبهم عنه {وَيَلْعَنُهُمُ اللاعنون} [البقرة: 159] من الملأ الأعلى فلا يمدونهم، ومن المستعدين فلا يصحبونهم {إِلاَّ الذين} رجعوا إلى الله تعالى وعلموا أن ما هم فيه ابتلاءً منه عز وجل، وأصلحوا أحوالهم بالرياضة، وأظهروا ما احتجب عنهم بصدق المعاملة {فَأُوْلَئِكَ} أقبل توبتهم {وَأَنَا التواب الرحيم} [البقرة: 160] {إِنَّ الذين كَفَرُواْ} واحتجبوا عن الحق، وبقوا على احتجابهم حتى زال استعدادهم وانطفأ نور فطرتهم {أولئك} [البقرة: 161] استحقوا الطرد والبعد عن الحق وعالم الملكوت، {خالدين} في ذلك {لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب} لرسوخ الأمور الموجبة له فيهم {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} [البقرة: 162] للزوم تلك الهيآت المظلمة إياهم.
{وإلهكم إله واحد} [البقرة: 163] بالذات لا شيء في الوجود غيره فأنى يعبد سواه، وهو العدم البحت. إن في إيجاد سموات الأرواح وأرض النفوس، واختلاف النور والظلمة بينهما، وفلك البدن التي تجري في بحر الاستعداد بما ينفع الناس في كسب كمالاتهم، وتكميل نشأتهم، وما أنزل الله من سماء الأرواح من ماء العلم فأحيا به أرض النفوس بعد موتها بالجهل وبث فيها القوى الحيوانية، وفرق في أفلاكها سيارات عالم الملكوت، وتصريف رياح النفحات المحركة لأغصان أشجار الشوق في رياض القلوب وسحاب التجليات المسخر بين سماء الروح وأرض النفس ليمطر قطرات الخطاب على نيران الألباب لتسكن ساعة من الاحتراق بالتهاب نار الوجد لآيات ودلائل {لقوم يعقلون} [البقرة: 164] بالعقل المنور بالأنوار القدسية المجرد عن شوائب الوهم، {وَمِنَ الناس} من يعبد من دون الله أشياء منعته عن خدمة سيده، والتوجه إليه يحبونهم ويميلون إليهم كحبهم لله ويسوون بينهم وبينه سبحانه لأنهم لم يذوقوا لذة محبته ولم يروا نور مشاهدته وحقائق وصله وقربه {والذين ءامَنُواْ} الإيمان الكامل {أَشَدُّ حُبّا لِلَّهِ} لأنهم مستغرقون شاهدته هائمون بلذيذ خطابه من عهد {أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ} [الأعراف: 172] لا يلتفتون إلى سواه طرفة عين فهيهات أن يزول حبهم أو يميل إلى الأغيار لبهم وهم أحبوه بحبه وصارت قلوبهم عرش تجلياته وقربه {وَلَوْ يَرَى الذين ظَلَمُواْ} [البقرة: 165] وأشركوا من هو في الحقيقة لا شيء ولا حي ولا ليّ في وقت رؤيتهم عذاب الاحتجاب عن رب الأرباب، وإن القدرة لله جميعًا، وليس لآلهتهم التي ألهتهم عنه منها شيء لندموا وتحسروا حيث لم يقصدوا وجه الله تعالى ولم يطلبوه، وعند ذلك يتبرؤ الاتباع من المتبوعين وقد رأوا عذاب الحرمان {وتقطعت بهم} [البقرة: 166] الوصل التي كانت بينهم في الدنيا وتمنوا ما لا يمكن بحال وبقوا بحسرة وعذاب. وكذا يكون حال القوى الروحانية الصافية للقوى النفسانية التابعة لها في تحصيل لذاتها، وطوبى للمتحابين في الله تعالى عز شأنه.

.تفسير الآية رقم (168):

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168)}
{يأَيُّهَا الناس كُلُواْ مِمَّا فِي الأرض حلالا} نزلت في المشركين الذين حرموا على أنفسهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام كما ذكره ابن جرير وابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقيل: في عبد الله بن سلام وأضرابه حيث حرموا على أنفسهم لحم الإبل لما كان حرامًا في دين اليهود، وقيل: في قوم من ثقيف وبني عامر بن صعصعة وخزاعة وبني مدلج حيث حرموا التمر والأقط على أنفسهم، و{حلالا} إما مفعول {كُلُواْ} أو حال من الموصول أي كلوه حال كونه حلالًا أو صفة لمصدر مؤكد أي أكلًا حلالًا، ومن على التقديرين الأخيرين للتبعيض ليكون مفعولًا به لكلوا وعلى التقدير الأول يجوز أن تكون ابتدائية متعلقة بكلوا أو حالًا من {حلالا} وقدم عليه لتنكيره، وأن تكون ابتدائية بل هي متعينة كما في الكشف على مذهب من جعل الأصل في الأشياء الاباحة، وأن تكون تبعيضية بناءًا على ما ارتضاه الرضي من أن التبعيضية في الأصل ابتدائية إلا أنه يكون هناك شيء ظاهر أو مقدر هو بعض المجرور بمن ولا يلزم صحة إقامة لفظ البعض مقامها، والعلامة التفتازاني منع كونها تبعيضية على هذا التقدير لأنها في موقع المفعول به حينئذٍ، والفعل لا ينصب مفعولين، وهو مبني على ما في التسهيل وغيره أن التبعيض معنى حقيقي لمن وعلامته صحة إقامة لفظ البعض مقامها، والأمر للوجوب فيما إذا كان الأكل لقوام البنية وللندب كما إذا كان لمؤانسة الضيف وللإباحة فيما عدا ذلك ومناسبة الآية لما قبلها: أنه سبحانه لما بين التوحيد ودلائله وما للتائبين والعاصين أتبع ذلك بذكر إنعامه وشمول رحمته ليدل على أن الكفر لا يؤثر في قطع الإنعام؛
وقوله تعالى: {طَيّبًا} صفة {حلالا} ومعناه كما قال الإمام مالك ما يجده فم الشرع لذيذًا لا يعافه ولا يكرهه، أو تراه عينه طاهرًا عن دنس الشبهة، وفائدة وصف الحلال به تعميم الحكم كما في قوله تعالى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأرض} [الأنعام: 38] ليحصل الرد على من حرم بعض الحلالات، فإن النكرة الموصوفة بصفة عامة تعم بخلاف غير الموصوفة، وقال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه: المراد به ما تستطيبه الشهوة المستقيمة الناشئة من المزاج الصحيح، ورد بأن ما لا تستطيبه إما حلال لا شبهة فيه فلا منع وإلا خرج بقيد الحلال، وأجيب بأن المراد بالحلال ما نص الشارع على حله وبهذا ما لم يرد فيه نص ولكنه مما يستلذ ويشتهيه الطبع المستقيم، ولم يكن في الشرع ما يدل على حرمته كاسكار وضرر، والأولى نظرًا للمقام أن يقال إن التقييد ليس للاحتراز عما تستطيبه الشهوة الفاسدة بل لكونه معتبرًا في مفهومه إذ لا يقال الطيب واللذيذ إلا على ما تستلذه الشهوة المستقيمة وتكون فائدة التوصيف حينئذٍ التنصيص على إباحة ما حرموه، والقول بأن في الآية على هذا التفسير إشارة إلى النهي عن الأكل على امتلاء المعدة والشهوة الكاذبة لأن ذلك لا يستطيب لا يستطيب لأن الطعام اللذيذ المأكول كذلك مما تستطيبه الشهوة إلا أنه ليس مأكولًا بالشهوة المستقيمة، وبين المعنيين بعد بعيد كما قاله بعض المحققين واستدل بعضهم بالآية على أن من حرم طعامًا مثلًا فهو لاغ ولا يحرم عليه، وفيه خفاء لا يخفى.
{وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان} أي آثاره كما حكي عن الخليل أو أعماله كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أو خطاياه كما نقل عن مجاهد وحاصل المعنى لا تعتقدوا به وتستنوا بسنته فتحرموا الحلال وتحللوا الحرام، وعن الصادق من خطوات الشيطان الحلف بالطرق والنذور في المعاصي وكل يمين بغير الله تعالى، وقرأ نافع. وأبو عمرو. وحمزة بتسكين الطاء وهما لغتان في جمع خطوة وهي ما بين قدمي الماشي، وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه بضمتين وهمزة، وفي توجيهها وجهان، الأول: ما قيل: إن الهمزة أصلية من الخطأ عنى الخطيئة، والثاني: إن الواو قلبت همزة لأن الواو المضمومة تقلب لها نحو أجوه وهذه لما جاورت الضمة جعلت كأنها عليها قال الزجاج: وهذا جائز في العربية، وعن أبي السمال أنه قرأ بفتحتين على أنه جمع خطوة وهي المرة من الخطو.
{إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} تعليل للنهي، و{مُّبِينٌ} من أَبانَ عنى بان وظهر أي ظاهر العداوة عند ذوي البصيرة وإن كان يظهر الولاية لمن يغويه ولذلك سمي وليًا في قوله تعالى: {أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت} [البقرة: 257] ويحتمل أن يكون ذلك من باب تحيتهم السيف، وقيل: أبان عنى أظهر أي مظهر العداوة والأول أليق قام التعليل.